ابن كثير

214

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 57 إلى 65 ] وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 62 ) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 63 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 64 ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 65 ) يقول تعالى مخبرا عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ قال غير واحد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ومجاهد وعكرمة والسدي والضحاك : يضحكون أي أعجبوا بذلك ، وقال قتادة : يجزعون ويضحكون . وقال إبراهيم النخعي : يعرضون ، وكان السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال : وجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد ، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم ، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش ، فتكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أفحمه ، ثم تلا عليه إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [ الأنبياء : 98 ] الآيات . ثم قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأقبل عبد اللّه بن الزبعرى التميمي حتى جلس ، فقال الوليد بن المغيرة له : واللّه ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد ، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم ، فقال عبد اللّه بن الزبعرى : أما واللّه لو وجدته لخصمته ، سلوا محمدا أكل ما يعبد من دون اللّه في جهنم مع من عبده ، فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا ، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد اللّه بن الزبعرى ، ورأوا أنه قد احتج وخاصم ، فذكر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « كل من أحب أن يعبد من دون اللّه فهو مع من عبده ، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته » فأنزل اللّه عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ [ الأنبياء : 101 ] أي عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان ، الذين مضوا على طاعة اللّه عز وجل ، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون اللّه ، ونزل فيما يذكر من أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات اللّه وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [ الأنبياء : 26 ] الآيات . ونزل فيما يذكر من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأنه يعبد من دون اللّه ، وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ أي يصدون عن أمرك بذلك من قوله . ثم ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام فقال : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ